محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

94

الإنجاد في أبواب الجهاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = ومن الغباوة الجمود على ظاهر الحديث ؛ فإنّ التحريض عليه ليس إلا للجهاد ، وليس فيه معنى وراءه ، ولما لم يبق الجهاد بالنشاب والأقواس ؛ لم يبق فيها معنى مقصود ، فلا تحريض فيها . ومن هذه الغباوة ذهبت سلطنة ( بخارى ) ، حيث استفتى السلطان علماء زمانه بشراء بعض الآلات الكائنة في زمنه ، فمنعوه ، وقالوا : إنّها بدعة ! فلم يدعوه أن يشتريها ، حتى كان عاقبة أمرهم أنهم انهزموا ، وتسلّط عليهم الروس ، ونعوذ بالله من الجهل . قاله الكشميري في « فيض الباري » ( 3 / 435 ) ، ونحوه عند المطيعي في « تكملة المجموع » ( 15 / 203 ) ، وعند الساعاتي في « الفتح الرباني » ( 13 / 130 ) . بقي بعد هذا : التنبيه على إلحاق العلماء على ( الرمي بالمنجنيق ) قديماً : الرمي بالمدافع والطائرات والدبابات والصواريخ . قال فقيه الزمان الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - في « الشرح الممتع » ( 8 / 27 ) : « المنجنيق بمنزلة المدفع ، ففي الوقت الحاضر لا يوجد منجنيق ، لكن يوجد ما يقوم مقامه ، من الطائرات ، والمدافع ، والصواريخ ، وغيرها » . وجاء في « توضيح الأحكام » ( 5 / 399 ) : « . . . النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى أهل الطائف بالمنجنيق ، ومثله غيره من المدافع والصواريخ وغيرها » . ونحوه في « العلاقات الدولية في الإسلام » ( ص 47 ) للزحيلي . وكادت أن تجمع كلمة الفقهاء على جواز تحريق الكفار بالنار في حال القتال إذا لم يقدر عليهم المسلمون بغير ذلك ، وحصل هذا مع بعض السلف ، كما تراه في « سنن سعيد بن منصور » ( رقم 2647 ، 2648 - ط . الأعظمي ) . ذلك أن المقصود كبت العدو ، وكسر شوكتهم ، بل توسع بعض أهل العلم ، كالحنفية والشافعية ، فجوزوا تحريقهم بالنار ، ولو قدرنا عليهم بغيرها ! وعليه ، فيجوز الرمي بالسهام المسمومة ، ولا وجه لكراهية ذلك ، كما تراه في بعض كتب المالكية ، مثل : « مواهب الجليل » ( 4 / 545 ) ، « الخرشي » ( 4 / 18 ) . ويعجبني كلام الماوردي في « الحاوي الكبير » ( 14 / 184 ) : « يجوز أن يُلقى عليهم - أي : العدو - الحيات والعقارب ، ويفعل بهم جميع ما يفضي إلى إهلاكهم » . أما بالنسبة إلى استخدام الرمي بالأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية ، فالواجب على المسلمين معرفة كل جديد من الأسلحة ، ومعرفة طريقة استخدامها ، وكيفية تصنيعها ، ولكن الأصل عدم الإفساد في الأرض ، وإتلاف النفوس . وبناءً عليه ، فلا تستعمل هذه الأسلحة إلا في الضرورات ، بحيث لا يمكن التغلب على العدو إلا بواسطتها ، ولا سيما إذا كان ذلك من باب المعاملة بالمثل ، ورحم الله الشوكاني فإنه قال في « السيل الجرار » ( 4 / 504 ) : « قد أمر الله بقتل المشركين ، ولم يعيّن لنا الصّفة التي يكون عليها ، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا ، فلا مانع من قتلهم ، بكل سبب للقتل من رمي ، أو طعن ، أو تحريق ، أو هدم ، أو دفع عن شاهق ، ونحو ذلك » .